يواصل الذهب تحقيق مكاسب استثنائية، تجاوز معها عتبة الثلاثة آلاف دولار للأونصة، مدفوعًا بمجموعة معقدة من العوامل الاقتصادية والسياسية والمالية. غير أن هذا الصعود اللافت يطرح تساؤلات أبعد من مجرد تسجيل رقم قياسي؛ فهل نحن أمام موجة ارتفاع عابرة أم تحول هيكلي طويل الأجل في سوق الذهب العالمي؟ وهل هناك مبالغة في أسعاره الحالية مقابل قيمته الحقيقية.. ونجيب على هذه الأسئلة وفق ما أورده موقع "كيتكو نيوز" العالمي.
بنوك مركزية... واستراتيجية ملاذ آمن
من أبرز ما يلفت الانتباه في هذه الدورة الصعودية هو الدور الذي تلعبه البنوك المركزية، والتي كثّفت مشترياتها من الذهب في السنوات الأخيرة بشكل غير مسبوق. فبعد أن كانت تلعب دورًا هامشيًا في السوق لعقود، أصبحت الآن جهة مؤثرة في تحريك الأسعار عبر رفع احتياطياتها بوتيرة منتظمة.
اقرأ أيضاً: لماذا يعتبر الذهب ملاذاً آمناً جيداً حتى الآن رغم ارتفاع أسعاره؟
هذا السلوك يعكس تحوّلًا في رؤية البنوك المركزية للذهب، من كونه مجرد أصل احتياطي تقليدي، إلى أداة استراتيجية للتحوّط من المخاطر الجيوسياسية وتقلبات الدولار الأمريكي، وربما حتى من النظام المالي الدولي نفسه.
التوترات الجيوسياسية.. بين الخوف والطلب
التاريخ يظهر أن الذهب يستفيد دائمًا من الاضطرابات السياسية والصراعات الدولية، لكن ما يحدث اليوم يتجاوز النمط التقليدي. فالعالم يشهد تعدد بؤر التوتر، من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، في وقت يتزايد فيه عدم اليقين الجيوسياسي وانقسام النظام العالمي إلى تكتلات.
كل ذلك يعزز مكانة الذهب كـ"عملة الأزمات"، ويمنحه دعمًا مستدامًا، ليس فقط من المستثمرين الأفراد، بل من الدول نفسها.
هل يعكس صعود الذهب ضعف الدولار؟
من العوامل التي ترافقت مع ارتفاع أسعار الذهب مؤخرًا هو انخفاض قيمة الدولار الأمريكي، وهو ما عزز جاذبية المعدن الأصفر للمستثمرين في الخارج. فمن المعروف أن العلاقة بين الذهب والدولار علاقة عكسية: كلما تراجع الدولار، أصبح الذهب أرخص نسبيًا للمشترين بالعملات الأخرى، مما يزيد الطلب عليه.
اقرأ أيضاً: أسعار الذهب تحقق قفزة جديدة مع ترقب بيانات التضخم الأمريكية
غير أن الصورة أكثر تعقيدًا؛ إذ لا يبدو تراجع الدولار ناتجًا فقط عن عوامل نقدية، بل عن تحوّلات في الثقة بالنظام المالي الدولي، مع اتجاه بعض الدول نحو تنويع أصولها بعيدًا عن العملة الأمريكية.
الاستثمار المؤسسي.. والمضاربات المتزايدة
جانب آخر يفسّر صعود الذهب هو الزخم الاستثماري من قبل المؤسسات المالية وصناديق التحوّط، التي وجدت في الذهب فرصة لتحقيق عوائد مضمونة في ظل تباطؤ أسواق الأسهم والمخاوف من التباطؤ الاقتصادي العالمي.
كما أن مؤسسات كبرى مثل بنك أوف أمريكا وجي بي مورجان وجولدمان ساكس رفعت توقعاتها لسعر الذهب خلال عام 2025، لتتراوح بين 3300 و3500 دولار للأوقية، مستندة إلى تحليل الاتجاهات طويلة الأجل، وموجات الطلب المستدام من البنوك المركزية، والتغيرات في السياسات النقدية العالمية.
هل تجاوز الذهب قيمته الحقيقية؟
رغم كل المبررات الاقتصادية والجيوسياسية، يطرح بعض المحللين تساؤلًا حول ما إذا كان الذهب قد دخل بالفعل في منطقة المبالغة في التقييم. فالصعود القوي والسريع يدفع إلى التحذير من احتمالية حدوث تصحيحات سعرية، خاصة إذا هدأت التوترات الدولية أو استقرت السياسات النقدية.
لكن في المقابل، يرى آخرون أن الذهب يعكس الآن ليس فقط قيمة اقتصادية، بل تحوّلًا في النظرة العالمية لأدوات الادخار طويلة الأجل، في عالم باتت فيه الأصول الرقمية متقلبة، والعملات الورقية مثقلة بالديون، والبنوك المركزية نفسها تبحث عن ملاذ.
احتياطيات الذهب: سباق عالمي على النفوذ المالي
تشير البيانات إلى سباق متصاعد بين الدول الكبرى على تعزيز احتياطياتها من الذهب. فقد رفعت روسيا قيمة مخزونها الذهبي إلى أكثر من 217 مليار دولار بحلول مارس 2025، متجاوزة الصين، واحتلت المرتبة الخامسة عالميًا.
وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة تصدر قائمة أكبر مالكي الذهب، بحيازات تتجاوز 8133 طنًا، تمثل أكثر من 74% من إجمالي احتياطياتها النقدية، بينما تليها دول أوروبية مثل ألمانيا، إيطاليا، وفرنسا.
هذا السباق يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الذهب في بناء قوة نقدية استراتيجية، سواء لمواجهة العقوبات، أو كضمانة لاستقرار العملات المحلية.
هل يستمر ارتفاع الذهب؟
في ضوء العوامل الحالية، يبدو أن ارتفاع أسعار الذهب ليس نتيجة ظرفية مؤقتة، بل قد يمثل تحولًا في بنية النظام المالي العالمي. ومع استمرار التوترات الدولية، وتبدّل موازين القوة الاقتصادية، والتغيرات في السياسات النقدية، فإن الذهب مرشح ليحافظ على مكانته المرتفعة، مع احتمالية تسجيل مزيد من الارتفاعات خلال عام 2025 وما بعده.
لكن كما في كل الأصول، تبقى التقلبات جزءًا من المعادلة، ويظل المستثمرون بحاجة إلى التوازن بين الحذر والفرص.
الذهب عند مستويات قياسية.. هل هناك مبالغة في أسعاره؟ - اخبارك الان

الذهب عند مستويات قياسية.. هل هناك مبالغة في أسعاره؟ - اخبارك الان

0 تعليق