سرّ الوجه - اخبارك الان

0 تعليق ارسل طباعة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سرّ الوجه - اخبارك الان, اليوم السبت 5 أبريل 2025 08:23 صباحاً

إن المقالات المنشورة في خانة "مقالات وآراء" في "النشرة" تعبّر عن رأي كاتبها، وقد نشرت بناء على طلبه.

لقاء الوجه للوجه سرٌّ عميق، لا يدرك كنهه إلا المحب. فالمحبّة هي لاهوت المسيح بامتياز، ولا سبيل إلى فهمه خارج إطارها. علّمنا الرسول بطرس في رسالته الأولى، قائلًا: "وَلكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثِيرًا مِنَ الْخَطَايَا" (١ بطرس ٤: ٨). فمن أحبَّ إنسانًا، لم يخاصمه، ولم يحسده، ولم يدنه، ولم يغتبه، ولم يسئ إليه، بل صبر عليه، وغفر له، ونصحه، وأصلحه، فكانت محبته سترًا لكثير من الزلات. فالمحبة الحقيقية توحّدنا بالله، وهو، في نعمته، يجعلها غطاءً على الخطايا.

يقول القديس غريغوريوس النيصصي: "اللَّه محبة وينبوع كل حب... كذلك جعل الخالق المحبة من سماتنا، قائلًا: 'بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضكم لبعض'" (يوحنا ١٣: ٣٥). فإن غابت المحبة عن قلوبنا، فقد شوّهنا الختم الإلهي الذي به تتشكّل صورتنا على مثاله.

والمحبة سرٌّ يحيا في القلوب دون تردد، فهي تخترق الأفئدة دون استئذان، وتبعث في الشفاه كلمات تنبع من عمق القلب. ليست عبارات مجاملة أو لياقات عابرة. في حضورها، يتجلى التفاعل الصادق، فيفيض الفرح بلقاء الوجوه، وينسكب السلام في القلب، وترتسم الابتسامة، لا تصنّعًا بل فطرةً وطبيعة.

وهذا ما أختبره في كل لقاء يجمعني بإخوة كهنة من أبرشيتي، أو آخرين من أبرشيات متعدّدة ضمن كرسينا الأنطاكي المبارك. في هذه اللقاءات، تشعر بأن المسافات تتلاشى، والتراتبية تسقط، فتتعانق الوجوه كما الأفكار، وتنسجم القلوب كما الهواجس والمودات، لأننا نشأنا على أن يكون كل شيء "بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ" (١ كورنثوس ١٤: ٤٠).

ذات يوم، سألتُ المطران جورج خضر عن مغزى الاجتماعات الدورية لكهنة الأبرشية، فجاءني الجواب من الكأس المشتركة، حيث تتوطد علاقة الإخوة الكهنة، ومنها نتعلم معًا كيف "بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ" (أعمال الرسل 17: 28).

وما يسري على الكهنة، ينسحب أيضًا على أقرباء الدم، ورفاق الصداقة، وزملاء الطريق، كما على أبناء الرعية الذين يجمعهم سرّ الشركة الإلهية. غير أن العثرات قد تحصل من أشخاص ظنوا أنفسهم أفهم، فانغلقوا على ذواتهم، وكأن والمعرفة انهمرت عليهم وحدهم دون سواهم. تراهم لا يكترثون لمن حولهم، ولا يتفاعلون مع اترابهم، هنا تأتي اللياقة لتصد العثرات وترفع المتواضعين، تخرق الانعزال وتوزع المعرفة مجانًا. من هنا حين تنسكب الكلمة بين الوجوه، تصبح نسيمًا يلطّف لقاءاتهم، ويغذي انسجامهم الديني والدنيوي، فتغدو اللقاءات منارات رجاء، ومرافئ تعزية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق