بقلم عماد درويش : الرقص مع الموت - اخبارك الان

0 تعليق ارسل طباعة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بقلم عماد درويش : الرقص مع الموت - اخبارك الان, اليوم الجمعة 4 أبريل 2025 08:16 صباحاً

بقلم عماد درويش : الرقص مع الموت

نشر في تونس الرقمية يوم 03 - 04 - 2025

1836271
الموت، هذا اللغز الذي يثير فضولنا، ويسكن عقولنا، ويغمرنا في المجهول — هل هو لحظة مأساوية تنهي الحياة، أم أنه كشف عن وجودنا، عن تجاربنا، عن أفعالنا، وخاصة عن أخطائنا؟
بعد أن اقتربت من الموت مرتين، مرة بسبب كوفيد، ومرة أخرى في حادث سير مأساوي، كان الشعور الباطني بنهاية الحياة بمثابة كشف لي، فرصة لإجراء جرد لحياة مليئة بالتقلبات، بالإنجازات، بالضياع أحيانًا، وباللحظات المكثفة.
ملامسة الموت أو الإحساس به هو لحظة مشبعة بالروحانية والفلسفة والأبعاد الدينية. وإن كانت مأساوية بالنسبة للأقارب الذين يفقدون شخصًا عزيزًا، فهي لحظة خلاص ورحمة للشخص المعني، إذ تُعيده إلى مصالحة مع حياته الحقيقية، وتدعوه إلى جرد جميع أفعاله وحصيلة حياته من خير وشر، وغفران ورحمة.
إنه شعور غريب يضعنا وجهًا لوجه مع ضميرنا، ويمثل مثولًا أمام محكمة أخلاقية إلهية. إنها تجربة وجودية يلفها الغموض، تشبه النقطة الثلاثية في الفيزياء حيث تتعايش ثلاث حالات: الغاز الذي يرمز إلى الحياة بتقلباتها وتحولاتها، السائل الذي يرمز إلى الموت بيقينه وسكينته، والصلب الذي يمثل الآخرة بثوابها وعقابها.
لحظة فريدة عشتها لساعات قليلة، وأمتنع عن كشف تفاصيلها تقديرًا للمشيئة الإلهية التي أنقذتني، وحياءً لمن حولي، واحترامًا لنفسي التي أظهرت صلابة وشجاعة أمام حتمية الموت التي لا مفر منها.
لقد علمتني تجاربي المؤلمة، لكنها منقذة، أن نواجه الموت بذهن صافٍ، وقلب خفيف، وضمير يغمره التسامح، والعطاء، وحب الآخرين، والتضامن. ففي تلك اللحظة، يكتب الإنسان أسطورته الشخصية، ليجيب بأفعاله لا أمام عدالة البشر، بل أمام العدالة الوحيدة التي تستحق: العدالة الإلهية.
لحظة مفصلية نحتفي فيها بالحياة ولو لثوانٍ معدودة، لنعبر عن امتناننا لهذا العطاء الإلهي ولمن أنجبونا، ولنُظهر صمودنا في وجه المحن، ولنُجسد الذكاء العاطفي بكل تجلياته الذي يجب أن يُرافقنا خلال رحلتنا الأرضية.
الإحساس بالموت هو أيضًا تذكير لنا بأنه مهما كانت مكانتنا أو منصبنا أو غنانا أو سلطتنا، فنحن جميعًا سواسية أمام هذه اللحظة الحاسمة، وأمام لقاء مع ضميرنا وقناعاتنا.
مواجهة الموت تعني أيضًا مصالحة الإنسان مع بيئته بما تحمله من شكوك ونسبية وعقلانية وشرائع ومعتقدات. إنها لحظة يجب أن نتحرر فيها من الشر والنميمة، وألا نتبنى إلا الخير، والغفران، والحب، بأمل عميق في أن نكون قد نجحنا في كتابة أسطورتنا الشخصية ونطمح إلى الجزاء الأعظم: الرحمة.
عماد درويش

.




إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق