سارة مورغنثاو*
عندما تحدث نائب الرئيس، جيه دي فانس مؤخراً، في قمة «الديناميكية الأمريكية» للتكنولوجيا، وجّه رسالة واضحة مفادها «يجب على الولايات المتحدة إعادة بناء قدراتها الصناعية وإعادة سلاسل التوريد الحيوية إلى الداخل».
وعلى الرغم من أن الخطاب استهدف دعم سياسات التعريفات الجمركية التي انتهجتها الإدارة الحالية، واختلافنا مع بعض النقاط الأخرى، فإن القول إن على الشركات الأمريكية التوقف عن نقل الوظائف إلى الصين، وزيادة استثماراتها بدلاً من ذلك في الولايات المتحدة، صائب تماماً. ففكرة حث الشركات المحلية على إعطاء الأولوية لمصالح البلاد في قراراتها التجارية، وهو ما نسميه بـ «وطنية الشركات»، هي فكرة يمكن دعمها.
ولن يُحدث الخطاب والتعريفات الجمركية وحدهما هذا التحول؛ بل يتطلبان تحركاً من القطاع الخاص. فإذا أرادت الولايات المتحدة الحفاظ على دورها القيادي في القرن الحادي والعشرين، فعلى مجتمع الأعمال الأمريكي أن ينهض ويؤدي دوراً أكثر فاعلية في جميع أنحاء العالم. نحن بحاجة إليهم لتبني وطنية الشركات: أي أن تُعطي الشركات الأولوية للمصالح طويلة الأجل والأمن القومي للبلاد بنفس الطريقة التي تُعطي بها الأولوية للأرباح. ففي عصر التنافس الاستراتيجي هذا، لم يعد التوفيق بين المصالح التجارية الأمريكية والأولويات الاستراتيجية الوطنية طموحاً نبيلاً؛ بل ضرورة.
وبصفتي مسؤولة سابقة في وزارة الخارجية في إدارة بايدن، رأيت بأم العين كيف أن الأمن الاقتصادي هو أمن قومي. فالقيادة الاقتصادية العالمية للولايات المتحدة تُعزز سياستها الخارجية، وتُحقق أيضاً عوائد هائلة محلياً.
والتوجه الأخير في الولايات المتحدة نحو التقليل من أهمية المساعدات الخارجية يُنشئ فراغاً تسعى الصين جاهدةً إلى ملئه. فبينما تُركز واشنطن جهودها على الداخل، لن يقف بقية العالم مكتوف الأيدي. فالرئيس الصيني شي جين بينغ، ينتهج استراتيجية اقتصادية مدروسة تتضمن الاستفادة من الشركات الحكومية من خلال مبادرة الحزام والطريق لتحقيق أهدافها الجيوسياسية. وقد وسّعت الصين حضورها العالمي بقوة، مستثمرةً تريليونات الدولارات في مشاريع البنية التحتية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا.
وإذا أرادت الولايات المتحدة أن تظل رائدة العالم الحر، فيجب على شركاتنا أن تواصل جهودها. فمن دون اضطلاع القطاع الخاص بدور أكثر فاعلية، فإن واشنطن تُخاطر بمواجهة نقاط ضعف اقتصادية في الداخل، مثلما تُخاطر بفقدان قيادتها العالمية لصالح بكين.
ولنرجع إلى مفهوم «وطنية الشركات». تُعتبر الشركات الأمريكية العاملة عالمياً خير سفراء لواشنطن، فهي تُمثل العلامة التجارية الأمريكية وتُؤكد أن أسلوبها في ممارسة الأعمال التجارية هو قوة للخير. إنها تُجسد المُثل الأمريكية القائلة بأن المنافسة في السوق، والمعايير العالية لحماية العمال والبيئة، والاستثمار في المجتمعات المحلية تُؤدي إلى ازدهار دائم. كما أن بإمكانها ملء الفراغ القيادي، ليس فقط بصفتها جهات فاعلة اقتصادياً؛ بل كداعمين لحقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية الاقتصادية.
إن فكرة وطنية الشركات ليست جديدة. ففي ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، أدت الصناعة الأمريكية دوراً محورياً في تعزيز الأمن القومي، محوّلة البلاد إلى «ترسانة الديمقراطية» التي ساعدت الحلفاء في نهاية المطاف على الفوز في الحرب العالمية الثانية. وتحوّلت الشركات التي كانت تصنع السيارات إلى تصنيع الدبابات والطائرات، في حين طوّرت أخرى تقنيات متطورة لدعم المجهود الحربي بما يتوافق مع المصالح الاستراتيجية للأمة في ظلّ المنافسة العالمية.
اليوم، كما كانت الحال آنذاك، يجب على القطاع الخاص أن يرتقي إلى مستوى التحدي - ليس بإنتاج الأسلحة؛ بل بالاستثمار في أسواق تُعزّز القيادة الأمريكية. فوطنية الشركات تعني الاستثمار في دول تُحافظ على الديمقراطية والأمن القومي والمرونة الاقتصادية، وليس لمجرد خيار ضبط الكلفة. وينبغي على الشركات الأمريكية التي تستثمر في الخارج اختيار أسواق استراتيجية بالغة الأهمية للسياسة الخارجية الأمريكية، واستخدام نفوذها لتعزيز التنمية وتفعيل مبادئ كالحرية والسيادة وسيادة القانون.
سيجادل البعض بأن الشركات موجودة لتعظيم عوائد المساهمين، لا للتظاهر بالوطنية. لكن الحقيقة هي أن نجاح هذه الشركات وقوة القيادة الأمريكية على الساحة العالمية مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، ولا يمكن لأحدهما النجاح من دون الآخر.
يُدرك الكثير من الرؤساء التنفيذيين الأمريكيين هذا الأمر بالفعل. ففي عام 2021، كتب وارن بافيت إلى مساهميه أنه عندما يرى المستثمرون العلم الأمريكي، فعليهم أن يكونوا ممتنين. هذه ليست دعوة إلى التخلي عن الأرباح؛ بل هي إدراك بأن النجاح التجاري طويل الأمد يعتمد على قوة الولايات المتحدة واستقرارها.
إن الطلب العالمي على الاستثمار الأمريكي حقيقي، وكذلك الحاجة إلى القيادة الأمريكية. وأمام مجتمع الأعمال الأمريكي فرصة تاريخية لتحديد ماهية وطنية الشركات اليوم.
فإذا أرادت الولايات المتحدة الحفاظ على مكانتها بوصفها حاملة لواء الديمقراطية والحرية والازدهار في العالم، فعلى قادة أعمالها تعزيز أدوارهم بصفتهم منارات للقيادة والدفاع عن القيم الأمريكية في جميع أنحاء العالم. وإن لم يفعلوا ذلك، فسيملأ آخرون الفراغ حتماً - وستندم الولايات المتحدة بلا شك على ذلك.
* الممثلة الخاصة السابقة للشؤون التجارية والأعمال في وزارة الخارجية الأمريكية «ريل كلير ماركيتس»
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
0 تعليق