عاجل

حصافة تمشي على قدمين - اخبارك الان

0 تعليق ارسل طباعة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حصافة تمشي على قدمين - اخبارك الان, اليوم الأربعاء 2 أبريل 2025 10:26 مساءً

سبقنا وغادرنا من دار الممر إلى دار المقر، كان يشرق بالهدوء ويلتحف الوقار، عقل نير وكلمات قليلة صادقة وعميقة، ولين في الجانب.... ببساطة كان الرجل حصافة تمشي على قدمين. إنه أستاذنا وأحد أساطين التشريع والقانون والتنظيم في بلادنا معالي الدكتور مطلب النفيسة رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الوطن وأهله أجزل المثوبة وجعل ما عمله لدينه وتلاميذه والوطن وأهله وولاة الأمر فيه شفاعة له ورحمة ومغفرة.

كنت تشرفت وقضيت معه رحمه الله في مناسبات عدة سويعات في مكتبه المتواضع الأنيق في الديوان العامر وفي منزله ومكتبته. أوقات رأيتها وأراها الآن من أغنى حلقات الفكر والعلم تساوي في خاطري كتباً انكببت عليها سنين الطلب وندوات من الحوارات في فضاءات الفكر والتخصص.

قال لي مرة في خضم حوار عن تفاصيل في مشروع تشريع يخص الجهة التي كنت أعمل في ظلها، وهو عضو في مجلس إدارتها، إن «الانتماء الوطني مهم جداً ولا يجب أن تفرط فيه الدولة إنشاءً وترسيخاً على قواعد الديانة والإنسانية والولاء شاملة الانتماءات الصغرى والفرعية. لأن المواطنين وهم ذوو هويات فرعية صغيرة قديمة مترسبة في الضمير والتاريخ والمجتمع إذا لم يجدوا التشريع الذي يرجعون إليه، والعدالة التي تحميهم وتوصل لهم حقوقهم، ومساواة تعطيهم قيمتهم المعنوية سوف ينكفئون لانتماءاتهم الصغرى والفرعية. انتماءات حينئذ لا تخدم الاستقرار ولا توفر بيئة النماء والبناء». ثم ضرب أمثلة عدة بنجاح الدولة السعودية في ذلك بوسائل ومن قطاعات متعددة. فعلى مستوى التشريع والإدارة والتنظيم ضرب لي عدة أمثلة أذكر منها مثلاً، أعلم أن المواطنين يعرفونه ويقدرونه ويناسب المقام، وهو «الصندوق العقاري» ونظامه والسيرة التي سار عليها منذ بدايته و«اللوحة الخضراء» التي تعلق على البيوت محل القروض المخفضة (التي كان يرى مبتسماً أنها رمز وشعار يجب أن يحتفل به الصندوق)، التي تمثل رقابة واضحة على عدالة انتظام القروض وتجنب المحسوبيات. وذكر أمثلة أخرى بدون كلام مرسل أو إنشاء ومجاملة بل بمفردات حملها من المعاني أخطرها وأدقها بعيداً عن المفردات الفضفاضة ذات الرنين الذي يخدع به بعض المتخصصين تلاميذهم ومريديهم. ثم ذهب بعيداً في مسألة المزاوجة الضرورية بين النظام وفلسفة الملاءمة والتنفيذ وعلى ذلك قس... لا أنسى قوله إن نظام التقاعد هو في أساسه تأمين لا تملك الدولة أمواله ولكنها مقابل فرضه على موظفيها وتحمل المخاطر أو جزء منها فلها حقوق في التنظيم والرقابة على أجهزته بما يشبه النظارة على الأوقاف. وأتذكر قوله لي إن النظام الناجح ميزان بين المصالح وأصحابها والدولة والمجتمع، ويكون توزيع المخاطر والمسؤوليات على ميزان المقاصد الشرعية والثقافة الاجتماعية ومعقولية التوقعات والمصالح الاقتصادية والثقافية والسياسية تدفع بالمجتمع من خلال التنفيذ الرشيد إلى الأمام بدون تعسف وارتباك لنسيج الدولة والأمة، أو اهتزاز... طبعاً ما أذكره أعلاه هو كما فهمت وتذكرت وإلا فإن تحقيقاته أكثر دقة وأشمل معنى...

كان معالي الدكتور مطلب النفيسة، رحمه الله وغفر له، ينطلق في العمل القانوني والاستشاري والتشريعي والتعليمي من فهم عميق لمقاصد التشريع وقواعد وفلسفة القانون وروحه والتنظيم ودور الدولة وشأن الهويات والمصالح المتدافعة، فإذا به وهو يعمل على صياغة الأنظمة يطل على الغابة من علو مدركاً الآفاق، ولا يفوته الخوض في الغابة شجرة شجرة وغصناً غصناً يتلمس شوكها ويبرز ثمارها... هذا كان شعوري عندما أسمعه يتحدث في موضوع أراه معقداً ومشتتاً، ثم يسحرني بلملمة الموضوع من أطرافه بدون تكلف أو تصنع أو حتى مرجع، ضارباً الأمثلة تلو الأمثلة من تشريعات البلاد القديمة والحديثة وما بينها من تطور وتطوير ونضج.

يقول إن الأنظمة والتشريعات بل والعقود تؤدي دورها السامي إذا وزعت المخاطر والمسؤوليات على الأطراف كل بحسبه، والمكاسب على الجميع. ولا يمكن صياغتها إلا بعد فهم عميق سلس لمطلقاتها وأهدافها وديناميكية التدافع حواليها وفي مجالاتها وأرضياتها وخلفياتها السياسية والاجتماعية والمالية بل والإنسانية والشخصية. ذلك قبل وأثناء وبعد التشريع وصياغة الأنظمة وإصدارها.

هذا غيض من فيض من مشاعر ومعارف حفرتها في ذهني تلك السويعات بحضرته. فقد كان معاليه رحمه الله جوهراً يغلب المظهر، ومعنى يفوق المبنى، ولذلك فقد كانت كلماته قليلة والمعاني ثقيلة.

ولاؤه للدولة وولاة الأمر فيها وقناعته بالعمل المؤسسي لا يفاوض عليها ولا يرضى أن تجرح، كما أنه لا تقيده التقاليد، التي يدركها ويحترمها، من التفكير خارج الصندوق من زوايا التجديد والتماشي مع تطور الدولة بكافة أجهزتها التي زامنها أكثر من غيره من المستشارين والقيادات التشريعية ومتطلبات العصر وظروفه ومستجداته.

أحاول استفزازه استفزاز طويلب العلم لأستاذه حول ملامح بعض الأنظمة والمنظومات والمفاهيم الوطنية بأسلوب الجدل.. فيجيب بالأسلوب «السقراطي» الذي تتميز به مؤسسات التعليم القانوني الراقية العريقة التي كان من فرسانها، يتناول الموضوعات بعمق مثير، وهدوء مريح، مؤكداً أن الأنظمة مرتبطة بمنظوماتها التنفيذية، كما هي مترابطة في توائم مع كافة الجسم التشريعي للدولة والوطن والحكومة أو هكذا يجب أن تكون، ثم يباشر توضيح الترابط وخطورة التنافر بأمثلة تذكرك بالسهل الممتنع. ونحن نرى الرؤية التي نفخر بها تترجم هذه الفلسفة بحذق وإصرار.

كنت أستغل فرصة تفضله بالحوار معه في مكتبه بعرض بعض الأفكار التي كنت اتأملها وزملائي تمهيداً للرفع بها لولي الأمر لمواجهة تحديات أو تنفيذاً لتوجيهات وطموحات لولي الأمر، أو الجهات المستفيدة في اختصاص المؤسسة التي كنت أتشرف بالعمل في ظلها. فلا يجيب رحمه الله إجابات مباشرة، وكنت أفسر ذلك بأنه يترفع عن مباشرة عملي ومسؤولياتي والتدخل المباشر، احتراماً للمؤسسة والعمل المؤسسي، ولكنه يعود للتاريخ وتطور الأنظمة وحاجات المجتمع وتعقيدها ثم يعرج على أرضياتها بواسطة الأسئلة والافتراضات من منطلق فلسفة القانون والتشريع والمقاصد الشرعية ونظام الدولة ومسؤولياتها، منبهاً لخلفيات أساسية أخفاها ضجيج التنفيذ والخصومة والتدافع على مستوى التنفيذي والتنفيذيين عن إدراكها ووضوحها للدارس والتنفيذي وصاحب المصلحة.

لم يكن رحمه الله يحب الإطلاق في الإجابات والأحكام ولا في ثنايا الحوارات ولا الطلاقة المتكلفة ولا الإجابات النهائية، لأن الأمور عنده إنسانية، والإنسان يدحرج فكرته مكتسباً من كل صعود أو هبوط ومن كل أرض يمر بها مكاسب تكبر معها الفكرة وتقل وعورتها وتزيد التجربة وتنضج. كان يثير التساؤلات مع بعض القرائن وعليك أن تصل للإجابات بنفسك (أحد ملامح الأسلوب السقراطي في درس وقراءة القانون)، ليس لأنه يجهل الإجابات ولكنه كان يفضل أن تصل من خلال فكرك وإعماله، ومنطقك وتوظيفه، وظروفك.

أختم هذا المقال بأمر على المستوى الشخصي. إنني أنسى حينما كنت في الابتدائية وكان أخي الدكتور ناصر رحمه الله يأتي متأخراً من عمله في وزارة الزراعة عن وجبة الغداء مع الوالد عثمان الصالح رحمه الله، فيتساءل الوالد رحمه الله «عسى ما شر؟!»، تمهيداً للعتاب! فيقول أخي رحمه الله تعرف «كنت عند الدكتور مطلب». فيتجاوز الوالد رحمه الله الأمر بابتسامة رضا وتفهم لأنه كان رحمه الله يقيم لمعالي الدكتور مطلب احتراماً وتقديراً تنضح به بعض رسائله وكلماته وتوجيهاته وبعض أبيات إخوانية نظمها كان محورها معالي الدكتور مطلب رحمه الله....

الدكتور مطلب كان حزمة من الرجال في رجل، وعقولاً في عقل... وفي مقال لاحق، إن سهل الله تعالى، سوف أتناول حواراتنا الأدبية التي يشرق من خلالها فهمه العميق وطربه للبلاغة والبديع والأدب الأصيل...

لا أستبعد أن ينكب بعض تلاميذه ومحبيه رحمه الله على إخراج سيرة له تنير لشباب هذه البلاد نموذجاً يحتذى به في مجالات خدمة الوطن وأهله وولاة الأمر فيه...

رحم الله رجل القانون ورجل الدولة والوالد والمعلم أستاذنا الدكتور مطلب النفيسة الذي كان الحصافة تمشي على قدمين، ولا حرمنا من مشايخنا وأساطين بلادنا في العلم الشرعي والسياسة والقانون والتعليم.

أخبار ذات صلة

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق