عن حقّ أهل غزّة بالعيش.. والأبواق الرخيصة! #عاجل - اخبارك الان

0 تعليق ارسل طباعة
جو 24 :

كتب كمال ميرزا - 

منذ انطلاق معركة "طوفان الأقصى" المباركة، وإعلام العدو الصهيو - أمريكي وأذنابه في المنطقة يحاول تكريس فكرتين خبيثتين في أذهان الناس:

أولاً: الفصل بين فصائل المقاومة الفلسطينيّة وحاضنتها الشعبيّة، وكأنّ أبطال المقاومة زرع شيطانيّ نبت من فراغ، أو كائنات فضائية هبطت من المريخ!

ثانياً: تصوير أهالي غزّة (ومخيّمات الضفّة) وكأنّهم "مُختطَفين" من قِبَل فصائل المقاومة، وأنّ "المقاومة" هو خيار تفرضه عليهم الفصائل فرضاً.. خلافاً لحقيقة أن فصائل المقاومة هي انعكاس لحالة "المقاومة" و"الرفض" و"الثبات" التي يمثلها ويجسّدها المجتمع الغزّاوي بكليّته، وأنّ فصائل المقاومة هي ابنة حاضنتها الشعبيّة ونتاجها وليس العكس.

ومن هنا مثلاً نجد أنّه في الوقت الذي يركّز فيه بعض المتصهينون العرب الأغرار على الاعتبارات الأمنيّة والإجرائيّة والإداريّة المباشرة فيما يتعلّق بما يطلقون عليه هم والعدو اسم "اليوم التالي في غزّة" وكيفيّة احتواء "الحالة الغزّاويّة".. نرى بعض الأنظمة العربيّة الضالعة في صهيونيّتها أكثر من الكيان الصهيونيّ نفسه تولي تركيزها لاعتبارات أعمق وأدق وأبعد مدى، وتحديداً المدارس والمناهج والمساجد، وذلك من أجل ضمان تفكيك "حالة المقاومة" برمّتها، وتشويه ومسخ وتمييع "المجتمع الغزّاوي" على المدى الطويل كما فعلوا بمجتمعاتهم من قبل، وتحويلها إلى مجتمعات استهلاكيّة من "الأنعام.. بل أضل سبيلاً" شعارها في الحياة: أكلَ.. شرب.. نام.. تكاثر.. هتف بحياة الزعيم!

وعندما نقول أنّ "المجتمع الغزاويّ" و"الحاضنة الشعبيّة الغزّاويّة" يمثّلان حالة مقاومة، فهذا لا يعني أن كلّ شخص طبيعيّ واعتباريّ في هذا المجتمع، وكلّ أسرة، وكلّ عائلة، وكلّ جماعة أو مجموعة أو تجمّع، وكلّ مختار أو وجيه أو شيخ عشيرة.. الخ هو مقاوم بالضرورة، أو يتبنّى فكر المقاومة، أو يناصر فصائل المقاومة، أو يمتلك إرادة المقاومة!

المجتمع الغزاوّي شأنه شأن أي مجتمع إنسانيّ آخر، فيه تباينات، وفيه تعرّجات، وفيه نتوءات، وفيه تناقضات، وفيه كامل الطيف الإنسانيّ من المشاعر والانفعالات والمواقف والسلوكيات والتوجّهات والانتماءات والأفكار والقناعات.

وحتى ما قبل "طوفان الأقصى"، هناك في داخل غزّة مَن هم ضد فصائل المقاومة لاعتبارات وانتماءات فصائليّة أخرى، أو لأنّهم ضدّ مبدأ المقاومة نفسه، أو مَن هم متصالحون مع حالة الاحتلال والحصار والوضع القائم، أو مَن يدينون بالولاء الخيانة والعمالة للكيان الصهيونيّ أو لغيره من الأنظمة العربيّة والأجنبيّة وأجهزتها الأمنيّة، أو مَن لا تعنيهم كلّ هذه الأمور أساساً وهمّهم في الحياة هو "العيش" بمعناه اليوميّ المباشر، أو حتى مَن هم سقط وهمل وزعران ومدمنين وسرسريّة و"بايعينها بصرماية" كما يقول التعبير الدارج.

مرّة أخرى، شأن المجتمع الغزّاوي في هذا هو شأن أي مجتمع إنساني آخر، والعبرة هنا هي في ماهيّة الموقف أو الحالة التي تمثّل "النمط العامّ" و"السمة الغالبة" في هذا المجتمع، أو ما هو "النموذج المتوسّط" لهذا المجتمع بلغة علم الاجتماع، أو "نزعته المركزيّة" بلغة الرياضيات والإحصاء.

ولا يخفى على أحد أنّ "المقاومة" هي "النمط العام" و"السمة الغالبة" و"النموذج المتوسط" و"النزعة المركزيّة" للمجتمع الغزاويّ بكليّته، وما دون ذلك فهي أنماط "فرعيّة" أو "هامشيّة" أو حتى "شاذة" قياساً للنمط السائد.

وما تحاول الأبواق الرخيصة فعله في هذه المرحلة الدقيقة والحساسّة من المواجهة هو الإتيان بحالات ومشاهدات تمثّل الأنماط الفرعيّة أو الهامشيّة أو الشاذة (أو حتى اختلاقها)، وبدلاً من تصويرها باعتبارها "الاستثناء الذي يؤكّد القاعدة"، وضعها تحت الأضواء والعدسة المكبّرة، وتضخيمها وتهويلها، وتصويرها زوراً وبهتاناً باعتبارها تعبير عن لسان حال المجتمع الغزّاوي.

سلوك هذه الأبواق الرخيصة، والتي تنطق الآن كفراً بعد أن صمتت دهراً طوال الخمسة عشر شهراً الماضية، يتقاطع مع الخطاب الخبيث الذي يحاول العدو تكريسه الآن، وهو اختزال كلّ ما يحدث بطريقة ابتزازيّة رخيصة في "حركة حماس"، وتعنّت حركة حماس، ورفضها إطلاق سراح الأسرى الصهاينة (المساكين يا حبّة عيني)، وتمسّكها بالحكم في غزّة، ورفضها التخلي عن سلاحها من أجل حقن دماء الناس.. ولفت أنظار الناس عن "مخطط الإبادة والتهجير" الذي هو قبل حماس، وأكبر من حماس، ويتجاوز حماس، ويتجاوز حدود قطاع غزّة برمّته.

وخطورة هذه الأبواق الرخيصة لا تكمن في منطقها المتهاوي والمتهالك رغم لحن القول وتزويق الكلام، ولا تكمن في وجود منصّات ومؤسسات إعلاميّة كبرى أكثر رخاصة تسخّر لهؤلاء إمكاناتها وتمنحهم صفحاتها وأثيرها وفضائها.. خطورة هذه الأبواق هو وجود "سمّاعون لهم" بيننا، ربما لأنّ الكثير منّا قد أصابهم الملل، لا من مناظر الدم والقتل والدمار التي ألفوها، بلّ ملّوا من إحساسهم بالتخاذل والتقصير والعجز، ويريدون أي شيء ينافقون به أنفسهم ليبرروا نكوصهم وتهرّبهم من المسؤوليّة كلّ في حدود قدرته واستطاعته.

وهنا تأتي أهمية "معركة الوعي"، فالحل هنا أن يرفض المرء بشكل واعٍ ومقصود وإراديّ هذه الأصوات، وينبذها، ويشيح عنها، ولا يتداول سمومها ولا يشاركها، ولا حتى ينفعل أو يتفاعل معها بما يضفي عليها وجاهةً ويمنحها حقّ الوجود والانتشار..

وفي المقابل علينا أن نذكّر أنفسنا مرّة بعد مرّة بعد مرّة، وأيضاً بشكل واعٍ ومقصود وإراديّ، بـ "ثوابت" هذه الجولة من الصراع التي لم تتغيّر قيد أنملة:

ـ ما تشنّه أمريكا وحلفاؤها وأعوانها عبر الكيان الصهيونيّ على أهل غزّة هي منذ اليوم الأول "حرب إبادة وتهجير"، وما تزال "حرب إبادة وتهجير"، وستبقى حتى إشعار آخر "حرب إبادة وتهجير" (ولا علاقة لها بتحرير الأسرى مثلاً أو إنهاء حكم حماس).

ـ مخطط "الإبادة والتهجير" هو مخطط سابق لـ "طوفان الأقصى"، و"طوفان الأقصى" قد جاء كـ "ضربة استباقيّة" لهذا المخطط من أجل إفشاله أو إعاقته أو تصعيب مهمّته على أقل تقدير.

ـ ما يُسمّى "النظام الرسميّ العربيّ" هو بتخاذله جزء من مخطط الإبادة والتهجير، ولولا تخاذل النظام الرسميّ العربيّ إزاء مخطط الإبادة والتهجير لما أمكن لهذا المخطط أن يكون بهذا الحجم، ويتّخذ هذا الشكل، ويستمر لغاية الآن.

ـ مخطط الإبادة والتهجير هو جزء من مخطط أكبر من أجل إعادة رسم شكل المنطقة، وتصفية أي حركات أو جيوب أو مظاهر للمقاومة فيها، وإعادة إنتاج علاقات الهيمنة والاستلاب والتبعيّة لعقود قادمة.. تحت مسمّيات كاذبة ومقولات مزيفة مثل التعايش، والسلام الاقتصادي، وصفقة القرن، والأخوّة الإبراهيميّة، والازدهار.

ـ الكيان الصهيونيّ هو جيب استعماريّ وقاعدة متقدّمة للنظام الرأسماليّ الإمبرياليّ الصهيونيّ في المنطقة، وما تُسمّى "صفقة القرن"، ومشروع "إسرائيل الكبرى" برمّته، هو جزء من تصفية منظومة الدول والمجتمعات "التقليديّة" القائمة في المنطقة إيذاناً بدخولها هي ومقدّراتها وثرواتها رسميّاً في طور "حكم الشركات" و"الصناديق السياديّة". والأنظمة والنخب الحاكمة في الدول العربيّة هي بمثابة حملة أسهم، أو وكلاء إقليميّين وقُطريّين، أو مدراء تنفيذيّين، أو حتى مجرد "سماسرة" لهذه الشركات، أو متعاقدين من الباطن يزودونها بخدمات أمنيّة ولوجستيّة منافِسة بأقل التكاليف!

نعم، من حقّ الشعب الغزاويّ أن يعيش، بل هو أجدر شعوب الأرض قاطبة بالعيش في هذه المرحلة من عمر البشريّة.. ولكن لأنّ من حقّه أن يعيش فلا يحقّ لأحد أن يطالبه بالكفّ عن مقاومته والتشبث بحقّه بالحرية والكرامة والاستقلال على ترابه الوطنيّ.. ولأنّ من حقه أن يعيش فلا يحقّ لأحد أن يسلبه وينكر عليه الأثمان الفادحة التي دفعها طوال السنوات ولغاية الآن ويطالبه بأن يستسلم ويضع سلاحه ببساطة!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق